بقلم محمد خليل
بمناسبة ذكرى انطلاق إذاعة القرآن الكريم:
يربط البعض بين نشأة إذاعة القرآن الكريم وحادثة شهيرة وقعت عام ١٩٦١، حين ظهر «مصحف ذهبى» فاخر الطباعة داخل الأسواق المصرية، يشتمل على أخطاء فى بعض الآيات القرآنية، تمثلت فى اختفاء كلمات داخل آيات بشكل يكسبها معنى معاكسًا تمامًا للمعنى الذى قصد منها، بالإضافة إلى أخطاء فى تشكيل بعض الآيات، واللافت أن هذه الأخطاء وصلت إلى بعض مقرئى القرآن الكريم فى مصر والعالم الإسلامى، ولم يستطع أحد أن يحدد مصدر هذه المصاحف. بعد ذلك قامت الجهات المعنية بسحبها من السوق وإعدامها، وقررت تطوير المواجهة عبر إصدار نسخة صوتية كاملة من القرآن الكريم، تطوع لتلاوتها الشيخ محمود خليل الحصرى، ثم أنشأت إذاعة القرآن الكريم كحاضنة للمصحف الصوتى المنضبط نصًا ولغةً وأحكامًا.
فى ظنى أن الأمر لم يكن كذلك، فالفاصل الزمنى ما بين حادثة «المصحف الذهبى» عام ١٩٦١ ونشأة إذاعة القرآن الكريم «٢٥ مارس ١٩٦٤» ثلاث سنوات كاملة، لقد نشأت هذه المحطة الإذاعية لأهداف أوسع بكثير من تعميم النسخة الصوتية للقرآن الكريم على عموم المصريين أو على مستوى دول العالم الإسلامى التى تستقبل بث المحطة، وهى أهداف تفاعلت بصورة أو بأخرى مع تجربة التحول الاشتراكى فى مصر عقب صدور قرارات يوليو الاشتراكية ١٩٦١، فقد كانت هناك تلميحات من جانب البعض، واتهامات صريحة من جانب آخرين «أعضاء وأنصار جماعة الإخوان» بأن الاشتراكية تخاصم الدين.
كان عبدالناصر يصر على ضرورة أن يفرق دعاة الاشتراكية فى مصر ما بينها وبين الماركسية، بما تحمله من سمعة فيما يتعلق بموقفها من الدين، بل تم توظيف الدين نفسه لدعم التحول الاشتراكى، فراج على سبيل المثال كتاب السورى «مصطفى السباعى» المعنون بـ«اشتراكية الإسلام»، وقد ذهب فيه إلى أن الاشتراكية هى نزعة إنسانية تتجلى فى تعاليم الأنبياء ومحاولات المصلحين منذ أقدم العصور، وتسعى شعوب العالم الحاضر- خاصة الشعوب المتخلفة- إلى تحقيقها لتتخلص من فواجع الظلم الاجتماعى والتفاوت الطبقى الفاحش المزرى بكرامة الإنسان، وليست حقيقة الاشتراكية هى التأميم ولا انتزاع رأس المال ولا تحديد الملكية ولا الضرائب التصاعدية، بل هذه كلها وسائل يراها دعاتها الطريق الصحيح لتحقيق هدف الاشتراكية.
وقد تعجب لو عرفت أن مصطفى السباعى مؤلف كتاب «اشتراكية الإسلام» هو مؤسس حركة الإخوان بسوريا وهو مراقب الجماعة بهذا القطر، وكان يتبنى موقفًا مضادًا من جمال عبدالناصر بعد تنكيله بإخوان مصر، ووقف وقفة صلبة ضد دعوات الوحدة بين سوريا ومصر، لكن موقفه من «ناصر» انقلب ١٨٠ درجة عندما زاره الأخير فى بيته بسوريا خلال زيارة قام بها للبلد الشقيق، فحكى له «ناصر» تفاصيل صراعه مع الإخوان فى مصر فاقتنع «السباعى» بوجهة نظره، وأصبح من المبشرين بأفكاره، وزار الإخوان فى مصر، واجتهد فى إقناعهم بوجهة نظره فى تأييد جمال عبدالناصر، ويشير «الدمرداش العقالى» فى مذكراته إلى أن عبدالناصر حين شرع فى إجراء حركة التأميمات بسوريا، ذهب إلى السباعى ليستطلع رأيه، ويستفتيه، فأفتاه السباعى، بأن الاشتراكية هى عين الإسلام، وأنه لا تناقض بينهما، فالإسلام قام على العدل الاجتماعى الذى هو القاعدة فى كل من الاشتراكية والإسلام، وقد وضع السباعى كتابه الشهير «اشتراكية الإسلام» ليؤكد به رأيه المؤيد لعبدالناصر فى قرارات التأميم، التى جرت فى كل من مصر وسوريا.
كان عبدالناصر إذن واعيًا بضرورة نشر رسالة دينية داعمة للتحول الاشتراكى وقرارات التأميم التى اتخذها، ولم يكن من السهولة بمكان إنفاذ أو تمرير هذه الرسالة عبر النصوص المكتوبة، سواء المنشورة فى الصحف، أو التى تضمها الكتب والمؤلفات، بسبب ارتفاع نسبة الأمية بين المصريين، فى هذا السياق فكر عبدالناصر فى الوسيلة الإعلامية الأقدر على ذلك ووجدها فى «الراديو»، بحكم قدرته على النفاذ إلى الأميين واتساع دائرة انتشاره، وتمكنه من الوصول برسالة السلطة إلى كل مكان فى مصر، بل خارج مصر أيضًا، وترتيبًا على ذلك تم إطلاق إذاعة القرآن الكريم، لتكون صوتًا لكتاب الله الكريم، ونافذة فى الوقت نفسه لنشر الخطاب الدينى الذى تتبناه السلطة والداعم بصورة أو بأخرى لقرارات عبدالناصر فى التأميم والتحول إلى المجتمع الاشتراكى.
منذ نشأتها شكلت إذاعة القرآن الكريم مركز ثقل ضخمًا ومهمًا على خريطة الإعلام المصرى فى الستينيات، فقدمت خطابًا إسلاميًا منضبطًا، اعتمد على علماء الأزهر، وتمكن من نشر المعرفة الدينية بين المتعلمين وغير المتعلمين فى كل أنحاء مصر، بالإضافة إلى الدور الذى لعبته أحاديث كبار العلماء مثل الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر، والدكتور محمد البهى، فى دعم التحول الذى تتبناه السلطة نحو المجتمع الاشتراكى، عبر طرح أفكار الإسلام فى العدالة الاجتماعية، وحماية المصالح العامة، ومنع الاحتكار، وحق الفقراء فى الحياة الكريمة، وغير ذلك من أفكار كانت تخدم توجهات السلطة حينذاك.
كانت إذاعة القرآن الكريم نافذة أطل منها المستمعون على أجمل الأصوات المصرية التى رتلت القرآن الكريم، وعلى رأسها الشيخ محمود خليل الحصرى، صاحب أول نسخة مسموعة من القرآن، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط محمد عبدالصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوى، والشيخ محمود على البنا، بالإضافة إلى منح فرصة للمستمعين للتعرف على أبرز الأصوات التى جودت القرآن الكريم، ومدهم بتسجيلات نادرة لهم، وعلى رأسهم الشيخ محمد رفعت والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى والشيخ محمد الصيفى والشيخ على محمود، وغيرهم من القراء الذين ذاع صيتهم قبل الحركة المباركة فى يوليو ١٩٥٢.
ولا تزال إذاعة القرآن الكريم تحظى بنسبة استماع معتبرة من جانب جمهور الراديو فى مصر، وظلت مصدرًا رئيسيًا للاستماع إلى القرآن الكريم داخل المحال التجارية وفى البيوت، حتى ظهرت قنوات القرآن الكريم، وتنوعت وانتشرت، فنافست المحطة الشهيرة، بغض النظر عن الإنصات أو عدم الإنصات الجماهيرى لما يتلى فى الحالتين.
التعليقات