الخميس الموافق 03 - أبريل - 2025م

«نسل الأغراب» فانتازيا صعيدية

«نسل الأغراب» فانتازيا صعيدية

 

✍️ حسام الشريف

 

في مسلسل “نسل الاغراب” لمع كثير من الممثلين ونجوم الفن بصورة لافته للانظار لكل من شاهد حلقات هذا المسلسل، فلا تملك امام الحبكة الدرامية إلا أن تصدق تلك الحكاية، ويقنعك الأداء المتميز للنجوم الكبار بأن الأحداث حقيقية، وبأنها وقعت بالفعل في احدي قري جنوب مصر، رغم أنها مجرد قصة متخيلة ربما لا يصدقها العقل، لأنها في حقيقتها بعيدة عن طبيعة الحياة في بلاد الصعيد، فالصعيد ليس مجرد مجتمع همجي وعشوائي بل مجتمع تحكمه العادات والتقاليد والأعراف، ولا يستطيع كل من هب ودب أن يفعل فيه مايريد، دون ضابط او رقيب فالكذب والافتراء والبلطجة التي صورها المسلسل صفات غريبة وبعيدة عن قيم الصعيد.

 

حقيقي ان في صعيد مصر، أغنياء وبشوات وقصور وعزب واطيان وغيرها من اشكال الثراء ومصادر القوة ولكن وجودها ليس بتلك الصورة التي عرضها مسلسل ” نسل الاغراب” فنجد مثلا السلاح يحمله الناس دون حسيب أو رقيب والمعارك والتحدي والكذب والبلطجة هي التي تسود وكأن الناس يعيشون في دولة خارج الدولة ويتصرفون خارج سلطة الحكومة واحكام القانون فكل يفعل ما يحلو له، إنها الحياة التي تشبه الغابة، فيأكل فيها القوي الضعيف ونجد المسلسل يصور ايضا عمليات قهر المزارعين والعمال من البسطاء واحتجازهم في مزارع المخدرات ويتم قتل من يحاول الهرب وكأننا في جمهوريات الموز، والأم العجوز يتم خطفها لعدة سنوات دون رقيب ولا حسيب، الا ان ذلك لايمنع من وجود كوكبة من الفنانيين الكبار الذين أدوا ادوارهم ببراعة منقطعة النظير، ويأتي علي رأسهم الفنان أحمد السقا، والفنان أمير كرارة، والفنان محمد دياب، وغيرهم وربما لولا اجادتهم لادوارهم لسقط المسلسل سقوطا مدويا لان الحكاية ضعيفة وبعيدة عن الواقع، ولا تمت للحقيقة بصلة.

 

وفي الحلقات الأخيرة من “نسل الاغراب” يبدو أن المخرج وبعض الممثلين فقدو السيطرة علي اعصابهم وذهبت احداث المسلسل بهم في اتجاهات خيالية قد تصل الي حد الخرافة ولا يصدقها العقل، فكل الأحداث وما تتضمنه من سفك الدماء والقتل التي وقعت داخل القرية لا يدري بها رجال الأمن أو يتجاهلونها عن قصد، وغلبا لا يحدث ذلك في الحقيقة، فنجد مثلا أن زعيم الغجر يقتل خادمة ويطلق الرصاص عليه في وضح النهار بعد مشادة كلامية ومعركة بينهما أمام كل قبائل الغجر، ودون أن نري أي نوع من التدخل من جانب الجهات الأمنية وكأن شيئا لم يحدث، كما يتم أيضا قتل سليم إبن غفران، وارسال نعشه في صندوق الي والده والجهات الأمنية أيضا لا تدري رغم ان خال القتيل هو علي الغريب رئيس المباحث .

 

والغريب فى الأمر ان يحضر رجال الأمن حفل زواج “علي الغريب” رئيس المباحث وزفاف اخته “جليلة” علي “عساف” الذي يستعرض قوته أمامهم وقد أتى وهو يمتطي ظهر جوادة ويقدم صناديق الذهب مهرا لجليلة وكاننا امام مشهد من مسرحية ألف ليلة وليلة، أو مشهد من قصة عبله وابو الفوارس عنترة، أو قصة الشاطر حسن واميرة البحور، ودون أن تكلف الجهات الأمنية نفسها عناء البحث أو السؤال عن مصدر هذه الكميات الضخمة من الذهب الذي تقدر بالمليارات.

 

والمدقق في سير الأحداث في “نسل الاغراب” يجد اشياءا غريبة قد تجاهلها المخرج أو نسيها وهي تثير التساؤل فكيف تدخل جليلة علي زوجها وتضبطه وهو في غرفة نومة مع راقصة الغجر وقد إرتدي الجلابية الوحيدة التي يملكها ويظهر بها طوال المسلسل ويشعرنا المخرج أن غفران بيه ينام بنفس جلابيته، وكأنه لايملك غيرها، وعندما يضطر للنوم ينام بها توفيرا للنفقات،كذلك يثور السؤال لدي اغلب المشاهدين كيف يتم حبس غفران في السجن لعدة شهور بعد اتهامه بزراعة حقول المخدرات ويتم الإفراج عنه و ما زال يرتدي نفس هذه الجلابية المباركة فيدخل السجن بها ويخرج بها أيضاً بعد عدة شهور.

 

وضمن رموز المسلسل الكبار الفنانة “مي عمر” في دور جليلة والتي أفرد لها المخرج مساحات زمنية ومشاهد واسعة وكأنها هي الوحيدة التي تستحق المشاهدة من الجمهور اما غيرها فلا يظهرون إلا علي استحياء، كما عادت فاطمة خادمة عساف من جديد لتلتقي مع حمزة إبن غفران عشيقها السابق لاستكمال قصة الحب بينهما ودون التحسب لاي شيء أو كأن شيئا لم يحدث، ومهما بلغ الأمر من عنف واجرام عساف فلا يصل الأمر إلي فرض زواجه من طليقته السابقة جليلة واهدائها صناديق الذهب، ثم يامر بقتل ابنها سليم وارساله لابيه غفران في صندوق مغلق،وهو الأمر الذى يشير الى ان هذا الرجل فقد عقله ولا هدف له فى الحياة سوى الانتقام، ورغم ما يقم به عساف، من سطوة علي أهل القرية نجد زعيم الغجر يأتي ليهدده بقتل جليلة إذا لم يقدم له عقد تمليك الارض التي يقيم عليها الغجر، وهو تناقض آخر في أحداث المسلسل فمن يهدد من، ومن هو الزعيم الحقيقي للقرية هل هو عساف بقوته وجبروته وامواله ام هو زعيم الغجر الذي لا يجد مكانا يقيم فيه هو وقبيلته.

 

ووسط كل هذه الاحداث يغرق عمدة القرية “حسيب” في شبر مية فلا حول له ولا قوة فكل ما يقدر عليه ان يبكي ويزرف الدموع كلما قابلته أي من المشكلات، وكأن مخرج العمل وكاتب السيناريو أراد أن يقول لنا أن وظيفة العمدة تحولت من حفظ الأمن والنظام في القرية إلي مجرد رجل رقيق القلب يجيد فن البكاء أمام اية مشكلة.

 

ورغم كل جوانب المسلسل القوية والجيدة وحيازته علي نسب مشاهده عالية في رمضان، إلا انه مليء بكثير من الثغرات والمتناقضات التي تكمن في ضعف السيناريو وتفصيله لإرضاء بعض الفنانيين، وكذلك تجاهل المخرج لفكرة توزيع الأدوار علي الممثلين فليس كل ممثل يصلح لاداء أي دور، إن ابسط قواعد التمثيل التي يعرفها المخرج هو مراعاة مواقع التصوير، ومناسبة الملابس لدور الممثل وتوزيع المساحات الزمنية علي المشاهد، وغير ذلك من امور فنية، والأهم من كل هذا هو السيناريو وحبكة القصة التي يجب أن يتقمص الفنان دوره فيها وليست العكس بأن نفصل السيناريو ليخضع لرغبات الممثل وشطحات المخرج وخيلالته غير الواقعية، وتبقي في النهاية مجرد كلمة او عبارة نختم بها وهي ماذا يقول المشاهد العربي والمصري الذي لا يعرف طبيعة الحياة في صعيد مصر عندما يري هذا المسلسل الغريب “نسل الاغراب”.

 التعليقات

 أخبار ذات صلة

[wysija_form id="1"]
إعلان خدماتي

إعلان بنك مصر

جميع الحقوق محفوظة لجريدة البيان 2015

عدد زوار الموقع: 80791609
تصميم وتطوير