” لو لم نصعد للمونديال كان أكرم لنا من أن نخرج بهذه الفضيحة أمام منتخب صنف منذ المباراة الأولى بأنه الأسوأ في المونديال”.. بهذه الكلمات علق أحد المشجعين المصريين على هزيمة منتخب بلاده أمام نظيره السعودي في المباراة التي جرت أمس في الجولة الثالثة والأخيرة من الدور الأول لبطولة كأس العالم المقامة في روسيا.
حالة من الغضب سيطرت على الشارع المصري في أعقاب الهزيمة التي مني بها فريقهم سحبت معها بساط الفرحة بالصعود لهذه البطولة بعد غياب 28 عامًا، ما بين صرخات وبكاء وإغماءات، فضلا عن سقوط أحد لاعبي نادي الزمالك المصري القدماء (عبدالرحيم محمد) بعد نهاية المباراة إثر تعرضه لأزمة قلبية قيل إنها ناتجة عن حزنه بسبب الهزيمة.
رغم خسارة الفراعنة (المنتخب المصري) أمام أوروجواي في المباراة الأولى بهدف دون رد في الدقائق الأخيرة من المباراة، وبثلاثية مقابل هدف أمام نظيره الروسي في المباراة الثانية، إلا أن الأداء العام للفريق كان شفيعا في كثير من الأحيان، غير أن الخسارة من السعودية وهو المنتخب الذي إن لم يقل مستواه عن المنتخب المصري فلن يتفوق عليه بأي حال من الأحوال، كان بمثابة الصدمة للملايين من عشاق الساحرة المستديرة في مصر.
تفاصيل المباراة الفنية والإدارية والتكتيكية والتحكيمية والتي وصفت بـ “الفضيحة” دفعت إلى العودة للوراء قليلا منذ بداية المشوار نحو المونديال، في محاولة للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء هذا الأداء غير المتوقع وتلك النتائج السيئة، خاصة وأن أصابع الاتهام تتجاوز في كثير من إشاراتها حاجز التقييم الفني إلى ما هو أبعد من ذلك.
خمسة أسئلة رئيسية، يندرج تحتها الكثير من التساؤلات الفرعية، الإجابة عليها تحمل أدوات فك طلاسم المشهد بصورته العبثية، وتزيل إشكالات عدة تخفف من احتقان الملايين من المصريين وتجفف دموع الشباب الذي منى نفسه بفرحة ولو عابرة تنتشله ولو مؤقتا من المناخ التشاؤمي الذي يخيم عليه من كل جانب، لكن حتى هذا الهروب الوهمي لم ينجح المصريون في الحصول عليه.
لماذا جروزني؟
كان اختيار مدينة جروزني بالشيشان كمقر لإقامة المنتخب علامة استفهام أولية خاصة وأنها تبعد عن مقر إقامة المباريات بمئات الكيلومترات، حوالي 2500 كم عن ملاعب مبارتي أوروجواي وروسيا، غير أن اتحاد الكرة المصري برر ذلك بأن المدينة بها أغلبية مسلمة كما يتوافر بها مساجد إضافة إلى أن غالب طاقم الفندق الذي يقيم فيه الفريق يتحدث العربية مما يسهل عملية التواصل مع اللاعبين.
الاتحاد كذلك أشار وعلى لسان رئيس البعثة إيهاب لهيطة أن اختيار هذه المدينة على وجه الخصوص هو اختيار الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” وهو الذي يقوم بسداد كلفة الإقامة به، لكن وبحسب خبراء فإن الفيفا أعطت مصر 6 أماكن لإختيار مكان الاقامة من بين 11 مدينة من المقرر أن تستضيف فرق كاس العالم، إلا أن الجانب المصري اختار جروزني على وجه التحديد.
وبعد الجدل الذي أثاره هذا الاختيار، خرجت بعض الأصوات المقربة من البعثة المصرية والمهتمة بالشأن الرياضي المصري لتكشف النقاب عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الاختيار، إذ تشير التسريبات إلى أن الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، هو من تحمل تكاليف الفندق والإقامة كاملة، رغم أن الاتحاد المصري لكرة القدم استلم مبلغ الإقامة من الفيفا والبالغ قيمته 1.8مليون دولار، ما يعني أنه احتفظ بها لنفسه.
هذا ما أكد عليه رئيس لجنة الشباب والرياضة في البرلمان المصري، محمد فرج عامر، والذي قال إن ” اتحاد الكرة استلم من الفيفا مليوناً و800 ألف دولار، كبدلات للمعسكر والإقامة كأي منتخب مشارك، ثم حصل على عرض من الرئيس الشيشاني للمعسكر والإقامة من دون مقابل، وهو ما دفع البعثة للإقامة في غروزني، المدينة التي تبعد 5300 ميل عن ملعب المباريات، مما أرهق اللاعبين تماماً واستهلك قواهم في السفر”.
علامة استفهام أخرى فرضت نفسها حيال ما أثير بشأن ملكية فندق الإقامة لمستثمرين إماراتيين يقال أن من بينهم محمد بن زايد، وهذا ما أثار بدوره حالة من الجدل، ووجه أصابع الاتهام في وجود شبهة فساد وتواطؤ في العملية، وهو ما جعل المنتخب المصري أكثر الفرق في البطولة التي قطعت مسافات من أجل لعب مبارياته، بعض التقارير تشير إلى أن عدد الكيلومترات اللي قطعها المنتخب تتساوى مع نفس عدد الكيلو مترات لو كان الفريق أقام في القاهرة وسافر كل مباراة وعادة مرة أخرى، وهو ما مثل عبئًا وإرهاقا كبيرا على اللاعبين.. ليبقى سؤال آخر: لمصلحة من؟
تشتيت تركيز اللاعبين.. من المسئول؟
في الوقت الذي توفر فيه كافة الحكومات الاستقرار النفسي والمناخ الملائم لوصول نسبة التركيز لدى اللاعبين والجهاز الفني إلى أقصى درجاتها بما ينعكس على الأداء العام داخل الملعب، كان الوضع مع المنتخب المصري عكس ذلك تمامًا، فمنذ الوهلة الأولى لانطلاق مشوار المونديال ويتعرض الفريق إلى وسائل تشتيت للتركيز غير مسبوقة.
البداية كانت مع الأزمة المفتعلة مع نجم المنتخب ولاعب ليفربول الإنجليزي محمد صلاح، حين وضعت شركة “we” للاتصالات صورة اللاعب على الطائرة المخصصة للفريق، وهو ما تسبب في خلافات مع ناديه الإنجليزي، وبعد مفاوضات عدة وتدخل من أعلى المستويات تم حلحلة الأزمة لكن بعدما تعرض اللاعب لضغوط نفسية لا شك وأنها قد أثرت عليه.
ثم كانت الطامة الكبرى حين تحملت نفس الشركة، كلفة سفر وفد من الفنانيين والراقصين واللاعبين – المرضي عنهم – ، لمؤازرة الفريق قبيل مباراة روسيا، المشكلة أن الشركة وفي تصرف غير مفهوم اختارت نفس الفندق الذي يقيم فيه لاعبو المنتخب قبيل المباراة لإقامة وفدها.
العديد من الشواهد والصور الملتقطة في هذه الليلة كشفت الكثير من التجاوزات التي ساهمت بشكل كبير في تشتيت تركيز اللاعبين، كالتقاط صور معهم داخل غرفهم الخاصة، ومشاركة بعض الفنانيين واللاعبين تدريبات الفريق بما يخالف اللوائح، وهو ما استفز بعض لاعبي المنتخب على رأسهم محمد صلاح حسبما نقل مقربون عنه.
تصرف آخر أقدم عليه رئيس الزمالك المصري مرتضى منصور، قبل ساعات من لقاء السعودية، حيث قام برفع دعوى ضد اللاعب عبد الله السعيد بسبب توقيعه للنادي والحصول على 40 مليون جنيه مصري في الوقت الذي وقع فيه للأهلي، وهو ما أثار الجدل حول الهدف وراء توقيت رفع الدعوى، ولمصلحة من تشتيت تركيز اللاعب.
هذا بخلاف بعد التجاوزات الأخرى التي سبقت سفر الفريق لروسيا كسرقة ملابسهم وتورط بعض أعضاء الاتحاد في بيع تذاكر المباريات في السوق السوداء، وهي المخالفات التي لم تحرك ساكنًا لدى الحكومة ممثلة في وزارة الرياضة أو حتى الأجهزة الرقابية للدولة.
لماذا محمد صلاح؟
تعرض اللاعب محمد صلاح إلى أنواع عدة من الاستغلال السياسي من قبل الرئيس الشيشاني، الذي سعى إلى تبييض صورته وتحسينها أمام شعبه ابتداء وأمام المجتمع الدولي عامة بعد الإدانات التي يتعرض لها بسبب انتهاكاته الحقوقية، ومن ثم كان التقاط الصور معه، ومنحه الجنسية الشرفية.
صفقة تم إبرامها بصورة ضمنية، بين قاديروف واتحاد الكرة المصري، بمقتضاها يتحمل الأول كلفة إقامة بعثة المنتخب كما تم ذكره سابقًا، في مقابل استغلال صلاح وشعبيته سياسيًا، وهو ما أثار حفيظة الإعلام الغربي الذي انتقد اللاعب المصري بشدة واعتبره داعمًا لأحد المصنفين بأنهم قادة لميليشيات مسلحة تنتهك حقوق الإنسان.
لم يكن يعلم صلاح بما يحاك له، لكن وبعد الهجوم الذي تعرض له إعلاميًا خاصة من الصحف الانجليزية، أضطر وكيل أعماله، رامي عباس، إلى الكشف عن تفاصيل المؤامرة وأن وكيله قد تعرض لابتزاز سياسي بالتواطئ بين الرئيس الشيشاني واتحاد الكرة المصري.
“الاندبندنت” البريطانية في تقرير لها تحدثت عن اعتزال صلاح اللعب الدولي، ورغم أن هذا سيكون مؤلم للجماهير المصرية والعربية، لكنه سيكون القرار الأفضل، مستعرضة بعض المواقف التي تم استغلال اسم وصورة اللاعب من قبل القاهرة وجروزني على حد سواء.
رئيس لجنة الشباب والرياضة بالبرلمان المصري أقر بما كشفه التقرير قائلا: “في مقابل المعسكر كان استغلال صلاح كشخصية رياضية ذات شعبية جارفة في بعد سياسي بحت، بداية من استقباله بمراسم رئاسية إلى منحه المواطنة الفخرية، كمحاولة من رمضان قديروف لتحسين صورته أمام المجتمع الدولي، الذي يصنفه كقائد مليشيا مسلحة، ولديه العديد من قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، واتحاد الكرة على علم بكل ذلك”.
كل هذا بلا شك أصاب اللاعب بالاحباط الشديد وفقدان التركيز وهو ما بدا عليه سواء داخل التمرينات أو خلال المباريات التي لم يقدم فيها ما كان تأمله الجماهير المصرية رغم إحرازه هدفي بلاده الوحيدين في المونديال.
من يوقف تركي آل الشيخ؟
سؤال آخر فرض نفسه على ألسنة المصريين خلال الفترة الأخيرة: لماذا لم يتحرك أي مسئول مصري لوقف تجاوزات رئيس هيئة الرياضة السعودي، تركي آل الشيخ، بحق الرياضة المصرية؟ وهو الذي تسبب في إحداث أزمة حقيقية في الوسط الرياضي المصري منذ تنصيبه رئيسًا شرفيًا لنادي الأهلي، أكبر أندية مصر وإفريقيا.
الأمر لم يتوقف عند حد التدخل في شراء لاعبين أو مدربين أو فرض قرارات بعينها، أو حتى شراء أندية أو تفريغ أخرى لصالح أهداف محددة، بل وصل إلى الإفصاح الفج عن أمنيته ألا يشفى محمد صلاح إلا بعد المونديال، وهو التصريح الذي أثار سخط المصريين، إلا أن الغريب أن لا أحد من مسئولي الرياضة في مصر تحدث أو اعترض أو طالب الرجل أن يتوقف، وهو ما دفعه لأن يمارس هوايته في تشتيت اللاعبين المصريين.
الغريب في الأمر أنه وقبل ساعات قليلة من انطلاق مباراة مصر والسعودية فوجئ الجميع بتعاقد أبرمه رئيس نادي الزمالك المصري ببيع لاعبي المنتخب، طارق حامد وعلي جبر، لنادي الأهرام (الأسيوطي سابقًا) الذي اشتراه آل الشيخ، دون علمهما، وهو ما كان له أثر سيئ على نفسية اللاعبين ومن ثم الأداء داخل الملعب.
هل بيعت مباراة السعودية؟
بعد الخسارة القاسية للمنتخب السعودي أمام روسيا بخماسية نظيفة دفعته لأن يتصدر قائمة الفرق الأسوأ في المونديال، والخسارة بهدف أمام أوروجواي، والانتقادات التي وجهت للجهاز الإداري والفني واتحاد الكرة بالمملكة، كان الفوز على مصر والعودة بثلاث نقاط بمثابة عنق الزجاجة الذي يحفظ ماء وجه تركي آل الشيخ.
تسريبات تناقلتها بعض وسائل الإعلام بشأن توبيخ تعرض له رئيس هيئة الرياضة السعودية من ولي العهد بسبب النتائج المخيبة، وهو ما دفعه لأن يحصل على النقاط الثلاث أمام مصر بأي ثمن، ما دفع الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن احتمالية شراء المملكة للمباراة بأي مقابل.
رغم أنه وحتى كتابة هذه السطور لم يثبت صحة هذه الاتهامات إلا أن إصرار حكم المباراة الكولومبي، ويلمار رولدان، على احتساب ركلة جزاء للمنتخب السعودي في المباراة رغم اعتراض حكام الفيديو (var) عليها، ما دفعه للذهاب بنفسه ورؤيتها أكثر من مرة وفي النهاية قام باحتسابها في مشهد أثار العديد من التساؤلات، هذا بخلاف العديد من القرارات التحكيمية الأخرى التي أثارت الجدل خلال المباراة.
كذلك الأداء المتواضح لبعض لاعبي المنتخب المصري، خاصة المحترفين في الدوري السعودي، كان هو الآخر علامة استفهام كبيرة، وهو ما دفع البعض للقول بأن اللاعبين دخلوا المباراة مؤهلين نفسيًا للهزيمة لاعتبارات مادية في المقام الأول، وإن لم يثبت ذلك بشكل رسمي أيضًا.
الطريف أن آل الشيخ وعقب المباراة حمل الحكم مسئولية عدم الفوز على المنتخب المصري بنتيجة وصفها بـ “التاريخية” قائلا في مقطع مصور له: لعب صلاح وفزنا.. ولولا الحضري والحكم لكانت النتيجة تاريخية”.
رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، نشر تغريدة مثيرة في أعقاب خسارة منتخب بلاده أمام السعودية، واحتساب الحكم ركلتي جزاء لصالح الأخضر، قال فيها “الحكم قابض!!!!”، ما أثار حفيظة الأمير السعودي، عبد الرحمن بن مساعد، حفيد الملك عبد العزيز، الذي رد عليه بتغريدة قال فيها: “مباراة لا تقدم ولا تؤخر، والفريقان سيغادران البطولة بعدها” ، وتابع: “ماذا فعل المنتخبان في المباراتين السابقتين؟ ولماذا (بمنطقك) لم يُقبَّضْ حكما المباراتين السابقة إذا كان ذلك ممكنا؟”.
التجاوزات السابقة والتي دفعت المنتخب إلى الخروج من المونديال بـ “فضيحة” دفعت بعض أعضاء مجلس النواب إلى المطالبة بفتح تحقيق موسع وفوري مع اتحاد الكرة، ومعاقبة كافة المتورطين في هذه المخالفات التي شوهت صورة الرياضة المصرية بصورة تناقلها الإعلام الغربي بشيئ من الاستخفاف والسخرية
أمين سر لجنة حقوق الإنسان في المجلس، شريف الورداني، تقدم بطلب إحاطة إلى أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، للتحقيق في تلك التجاوزات التي وصفها بأنه “لا يمكن السكوت عنها” علاوة على الاهتمام بالجوانب الإعلامية والدعائية على حساب تأهيل وتدريب المنتخب، وتوفير الراحة للاعبيه أثناء معسكرات ما قبل المباريات، خاصة أنها أدت إلى ضعف المستوى الذي ظهر عليه منتخب بلاده في مباريات كأس العالم.
التعليقات