كتب /سعد عيد -د يسري العزباوي
مما لا شك فية ان لا تختلف نشأة حزب مستقبل وطن كثيرًا عن نشأة الكثير من الأحزاب السياسية التي ظهرت عقب ثورة 25 يناير، والتي اتسمت كلها بالفوقية والنخبوية، أكثر منها نشأة طبيعية بين مجموعة من أصحاب المصالح التي تشترك مع بعضها البعض في الأيديولوجيا أو المرجعية السياسية على الأقل. وبناء عليه، يمكن القول أن تأسيس الحزب جاءت في ظروف انتقالية، عقب ثورة 30 يونيو، حيث قامت مجموعة من شباب اتحاد طلاب مصر بعمل حملة شبابية بعنوان “مستقبل وطن” وكان الهدف الأساسي منها هو تمرير دستور 2014 ولكن سرعان ما تلقف البعض الفكرة وعمل على تحويلها إلى حزب سياسي، وهو ما أدى إلى إثارة ضجة كبيرة حول طريقة التأسيس، ومن يقف خلف الحزب، خاصة وأن الحزب نجح في تجميع التوكيلات المطلوبة (5000 توكيل) لإشهاره في أقل من يومين، ولعب أعضائه دورًا بارزًا في الانتخابيات الرئاسة لصالح الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ولكن سرعان ما شهد الحزب، ما شهدته الأحزاب الأخرى من أزمات متتالية، قبل وبعد الانتخابات البرلمانية، والتى استطاع أن يحصد فيها الحزب 53 مقعدًا. وعلى الرغم من ذلك استطاع الحزب، الذي يفتخر أعضائه بأن رئيسهم أصغر رئيس حزب في العالم، أن يستمر في التماسك والتلاحم حتى بدأت الأزمة الأخيرة، التى هزت جميع أماناته بلا استثناء، والتى تمثل في سفر رئيسه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته بدون مقدمات، أو حتى معرفة أمناء المحافظات، والتى علموا بها مثل غيرهم من وسائل الإعلام المختلفة، وهو ما أوقعهم في ورطة كبيرة أمام أعضاء الحزب، وبالتالى فشلوا في تبرير ما حدث واضطروا إلى اللجوء إلى تفسيرات فردية لم تثني أعضاء الحزب عن الاستقالة. حيث برر بعضهم بأن رئيس الحزب ذهب لاستكمال دراسته لأن الحزب يقوم بإعداده لتولى منصب وزاري محتمل ليصبح أصغر وزير في تاريخ الدولة المصرية أيضًا، وذهب البعض الأخر بالقول بأنه يتم إعداده ليصبح رئيس الوزراء في الفترة المقبلة.
وبغض الطرف عن مثل هذه التبريرات التي أدت في النهاية إلى وقوع قادة الحزب، وأنصاره، وداعميه، في حرج كبير أمام الرأى العام، فإن الحزب الآن يشهد مرحلة تحول عاصفة قد تؤدي به في نهاية المطاف إلى نفس الطريق الذي سلكته أغلب الأحزاب، القديم منها، والحديث، من حيث عدم الفاعلية والترهل في الأداء،
احتواء الخلافات الداخلية:
بعد أن انتشر خبر سفر رئيس الحزب إلى خارج البلاد، بدأت تظهر تناقضات في التصريحات الإعلامية لقياداته حول من يدير شؤونه، وهل استقال محمد بدران أم مازال رئيسًا للحزب؟، وما هي فترة بقاءه في الخارج؟ وهل الحزب بالفعل قد ينهار بعد سفر رئيسه، أم أن القيادات الأخرى قادرة على لم الشمل والاستمرار في كيان موحد؟. فمن جانبه أكد أشرف رشاد الأمين العام ورئيس الكتلة البرلمانية للحزب، أن بدران غادر البلاد لاستكمال دراسته في الخارج، مع بقائه في منصبه كرئيس للحزب، وأنه سيتولى تسيير شؤون الحزب، بالتعاون مع المكتب التنفيذي وأمناء المحافظات كل في موقعه واختصاصاته. وأن الحزب يتولى تشكيل مستويات تنظيمية جديدة في مختلف المحافظات، بناء على تقييم التجربة السابقة، وتلقي أي شكوى بشكل رسمي في مقر الحزب تخص التشكيلات، بخاصة وأن أي قرار هو ليس قرآنًا يمكن الرجوع فيه أو تعديله بعد التحقيق في الشكوى، مؤكدًا أنه عند التقدم بأي استقالة يقبلها الحزب فورًا، لو كانت استقالة من الموقع التنظيمي، أما لو كانت استقالة كاملة من الحزب، فستخضع لأحكام باب العضوية من اللائحة.
ومن الأهمية الإشارة إلى أنه عقب صدور التصريحات المتناقضة ضربت موجة استقالات الحزب، إضافة إلى اعتراض ممثلي الأمانات الفرعية على التشكيلات الجديدة التي يجريها الحزب فى إطار إعادة هيكلته، والتى ضمت رموز وقيادات الحزب الوطني المنحل، حسب وصف المستقيلين.
والجدير بالذكر أيضا،ان هناك جملة من العوامل والمحددات التي يتوقف عليها مستقبل الحزب، منها ما هو داخلي متعلق بالحزب، ومنها المتعلق بالبيئة السياسية على المستوى الوطني، والفرص المتاحة للعمل الحزبي على المستوى القومي بشكل عام. وتتمثل محددات مستقبل الحزب فيما يلي:
1- طبيعة العلاقة بين بدران وأشرف رشاد: الموقف النهائي لرئيس الحزب في غاية الأهمية، حيث يثير الموقف الغامض لسفره العديد من التساؤلات داخل أروقة الحزب، ومنها: هل يرضي أعضاء الحزب بأن يدار من الخارج، وما هي الفترة الزمنية التي سيمكثها رئيس الحزب لاستكمال دراسته، وهل يمكن الحصول على ماجستير في شهرين؟!، كما تم الإعلان من قبل الأمين العام. يضاف إلى هذه التساؤلات طبيعة العلاقة بين رئيس الحزب والأمين العام، والذي بدا في المشهد بأنه يريد أن يسيطر على كل المواقع القيادية داخل الحزب، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور كتلة رفض بداخله.
2- العلاقة مع تحالف دعم مصر: أداء نواب الحزب داخل البرلمان، سواء بشكل منفرد أو في إطار تحالف “دعم مصر”، تعد أحد المحددات المهمة التي يتوقف عليها مستقبل الحزب. فضلاً عن ذلك، فإن حرص قيادة الحزب على إظهار قوة أداء نوابه بشكل يوضح أجندته التشريعية، أو أولوياته التشريعية داخل قبة البرلمان سيوضح مدى قدرة الحزب على فرض حالة من حالات التماسك بين أعضائه أو على الأقل فرض حالة من الالتزام الحزبي بينهم، وهو ما يتطلب جهودًا كبيرًا من قيادة الحزب للعمل بشكل مستمر مع الأعضاء، وأن يقدم لهم دعمًا برلمانيًا حقيقيًا من جانب، ومن ناحية أخرى أن يقوم بمساعدتهم في التواصل المستمر مع دوائرهم الانتخابية.
3- مأسسة الهياكل الداخلية للحزب: بمعنى كلما استطاع الحزب أن يفرض المؤسسية داخل الهياكل المختلفة له كلما أدى هذا إلى استقرار الحزب، فضلاً عن الالتزام بتطبيق اللوائح الداخلية للحزب، لأن هذا يكرس الثقافة المؤسسية والشفافية في تطبيق اللوائح على جميع الأعضاء.
4- اللجوء إلى انتخابات مبكرة أو تشكيل قيادة جماعية للحزب: نعتقد في حال استمرار غموض موقف بدران أنه لابد وأن يلجأ الحزب إلى انتخابات مبكرة لرأب أي صراع محتمل بين أعضائه، أو أن يلجأ الحزب إلى تشكيل قيادة جماعية تعطي الحزب ميزة أخرى، وهي فتح الباب على مصراعيه بين أعضائه لإعطائهم مساحة أوسع للعمل داخل الحزب، وبالتالي استيعاب تطلعات جميع الأعضاء.
5- التمويل ومصادره: وهو ما يميز الحزب عن غيره، حيث أكد رئيسه أكثر من مرة على أن هناك أربع رجال أعمال يقومون بالتبرع للحزب وهو أمر ربما لا يستمر لفترة طويلة في حال استمرار الصراع بداخله، وبالتالي على الحزب أن يبحث عن مصادر جديدة مثل زيادة نسبة الاشتراكات الداخلية أو غيرها.
6- المقاعد التى يحصل عليها في الانتخابات المحلية: وهو ما يوفر للحزب مساحة أوسع للمشاركة في الحكم المحلي، وما يؤدي إليه هذا من جذب الكثير من الشباب للحزب في المستقبل. وهنا يقوم الحزب بمهمته الأساسية المتمثلة في تجنيد وضم أعضاء جدد لصفوفه، وهو ما يوفر للحزب بيئة أوسع في نشر أفكاره وبرامجه على كل المستويات.
ويضاف إلى العوامل السابقة، عوامل أخرى مرتبطة بالمساحة التي يؤمن بها النظام السياسي الجديد بدور الأحزاب في المشاركة في الحكم والرقابة، ومدى استمرار الدعم المعنوي الذي تقدمه بعض مؤسسات الدولة للحزب، وأخيرًا قضية ما إذا كان رئيس الجمهورية سيقوم بتأسيس حزب جديد، إذ سيعني ذلك في الغالب انتقال عدد كبير من أعضاء حزب “مستقبل وطن” إلى الحزب الوليد.
سيناريوهات ثلاثة:
بناء على المحددات سالفة الذكر، توجد عدة سيناريوهات لمستقبل الحزب، وتتمثل فيما يلي:
السيناريو الأول: وهو الأكثر تفاؤلاً، وفي هذا السينايرو يظل الحزب متماسكًا، ويقوم بمعالجة مشكلاته التي طرأت بعد مغادرة رئيسه لاستكمال دراسته في الخارج، وأن يقوم الأمين العام باحتواء الخلافات والاستقالات الجماعية من بعض الأمانات في المحافظات. وفي هذا السيناريو، يقوم الحزب بتطبيق اللوائح الداخلية، وتوسيع المجال داخل هياكله المختلفة أمام أعضائه، فضلاً عن تحقق أداء متميز لأعضائه داخل البرلمان وخارجه. وأعتقد أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب تحقيق انتخابات داخلية جديدة في الحزب لكافة المناصب، حتى يتم الاستقرار الكامل داخله، وبالتالي زيادة عدد أعضائه، وتحقيق الانتشار بزيادة عدد أماناته في المحافظات المختلفة.
السيناريو الثاني: وهو سيناريو وسط، وهو بقاء الحال على هو عليه، حيث حالة من الشد والجذب بين أعضائه، ومحاولات احتواء مستمرة من الأمين العام، لحين عودة رئيسه، والذي يعلم الجميع بأنه بمفرده غير قادر على إدارة الحزب. وفي هذا السيناريو سوف يلجأ القائمون على الحزب إلى انتخابات مبكرة لرئيسه وأمينه العام، وربما سيترافق مع ذلك أداء متواضع للحزب في العمل البرلماني وفي الانتخابات المحلية.
السيناريو الثالث: وهو الأكثر تشاؤمًا، وهو تفكك الحزب أو أن يظل رقمًا مثله مثل باقي الأحزاب الأخرى، وبالتالي يتحقق مزيد من الاستقالات والانقسامات داخل الحزب، وهو ما قد يؤدي إلى هروب الداعمين الرئيسيين للحزب، وفي هذه الحالة سيكون أداء أعضاء الحزب داخل البرلمان ضعيف ، وربما لا يستطيع الحزب الحصول على عدد مرضي من المقاعد في الانتخابات المحلية، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى مزيد من الانشقاقات أو التنازع القضائي أو الانسحابات الجماعية لتأسيس حزب آخر.
وفي النهاية، يمكن القول أن السيناريو الثاني هو الأقرب إلى الواقع، وأن الحزب سيشهد حالة من الشد والجذب .
التعليقات