متابعة: خالد جزر
فجأة و بشكل يبدو منسقا تمامآ تعلن أربعة دول عربية هى السعودية و مصر و الامارات العربية و البحرين قطع العلاقات بشكل كامل مع قطر لينضم اليها بعد ذلك المزيد من الدول لتصل إلي إحدي عشرة دولة.
جأت هذه التحركات بعد تصريحات رسمية من أمير قطر يهاجم فيها الدول العربية، و يؤكد على أهمية إيران و إسرائيل في المنطقة، لتنقلب الدنيا بعد ذلك على الإمارة الصغيرة حجما العظيمة ثروة و نفوذا .. فى الواقع لم يكن القادة فى هذه الدول ينتظرون هذه التصريحات ليتبين لهم مواقف الامارة الصغيرة و اميرها الشاب الاهوج المندفع فأفعال قطر ، و تدخلاتها و دعمها للإرهاب لا يحتاج الى هذه التصريحات فالجميع يعلم ما تفعله قطر ..
كانت تلك التصريحات هى بداية الوقت المناسب لتنفيذ ما استقرت عليه هذه الدول خاصة بعد زيارة ترامب الى المنطقة و تأكده بشكل واضح من دعم قطر للارهاب ( فى الحقيقة انه يعلم تماما بذلك من اجهزة مخابراته ) لكن هذه الزيارة ضمنت للدول العربية عدم معارضة الولايات المتحدة لهذه الاجراءات فليس من المعقول ان توافق امريكا على عقوبات ضد دولة تقع على ارضها اكبر قاعدة عسكرية امريكية فى المنطقة لم يعارض ترامب ذلك الا بعد ان قبض الثمن،
و بالتأكيد هناك مالا نعلمه عن بقية الاتفاق بين ترامب و الدول العربية ربما كان من ضمنها نقل قاعدة العيديد الامريكية الى مكان اخر من دول الخليج لتفقد الامارة احد اهم مميزاتها الدفاعية و ربما مما يؤكد ذلك هو تدوينات الرئيس الامريكى على تويتر التى أكد فيها ان الجميع قد اكد له ان قطر هى مصدر الارهاب فى المنطقة.
المشهد بشكل واضح يلزمنا طرح عدة امور و هى كالاتى:
اولا : ما تأثير هذه الاجراءات على قطر
لا شك ان قطر ستتأثر من هذا فليس من السهل على دولة صغيرة تستورد كل احتياجاتها من الخارج ان تتحمل مقاطعة عقابية من الدول المحيطة، و خاصة السعودية صاحبة المنفذ البرى الوحيد الذى يربط قطر بريا بالعالم اذن ستتأثر كل الواردات القطرية بشكل واضح، و قوى خاصة فى الفترة الاولى الى حين ترتب قطر اوراقها الاقتصادية لتعتمد على دول اخرى لتورد لها احتياجاتها عن طريق الشحن الجوى او النقل البحرى، و سيكون البديل الإيرانى جاهزا ليوفى احتياجات قطر و ان كان بتكلفة اعلى من السابق و لكن صندوق قطر السيادى و الذى يحتوى على مئات المليارات قادر على احتواء تلك التكاليف الاضافية الى فترة من الوقت يحددها الاقتصاديون و ان كان تقديرها الان يكاد يكون مستحيلا خاصة و ان حساب التكاليف مقترن بحساب الوقت بمعنى كم وقت الازمة و هل ستحل فى القريب العاجل ام سيتأخر حلها و لكن بلا شك فأن تاخر حل الازمة من الممكن ان يؤثر على قطر فى عدة امور منها:
تنظيم كأس العالم فى قطر سنة 2022 فمواد البناء تدخل عبر السعودية و استبدال ايران بالسعودية مكلف جدا و مرهق و من الممكن ان يتاثر الجدول الزمنى فيتغير موقف الفيفا من تنظيم قطر للبطولة .. و للأمر وجه اخر لم يدرس بعد بسبب نقص المعلومات، و هو موقف المعارضة القطرية فى الداخل و الخارج و اذا كان موقف المعارضة ضعيفا لاسباب كثيرة فان فى داخل العائلة المالكة افرع اخرى تنتظر الفرصة لتنقض على الحكم و ربما تكون الاحداث الاخيرة هى اللحظة المناسبة لفعل ذلك و تاريخ الانقلابات فى قطر مليئ بمواقف مشابهة فتميم انقلب على ابيه و ابيه نفسه انقلب على جده اما جده فقد انتزع الحكم بانقلاب على فرع اخر من العائلة.
ثانيا: موقف الولايات المتحدة الامريكية
يخطأ من يظن ان خطوة مثل هذه يمكن ان تحدث بدون التنسيق مع الولايات المتحدة، واشنطن اللاعب الهام فى سياسة المنطقة و العالم تهتم بأمر الشرق الاوسط منتج النفط الرئيسى فى العالم و صاحب الاحتياطى الاكبر اضافة الى الموقع الاستراتيجى .
اذن يمكننا الاستنتاج ان إتفاق قد حدث مع ترامب فى زيارته الاخيرة، تنسيقا لم يعلن عنه و ان كان يمكن استنتاجه و خاصة بعد ان كتب ترامب على موقع التدوينات ما يفيد انه يعلم ان قطر هى راعي الارهاب فى المنطقة، و انه يوافق على تأديبها .
هنا ظهر واضحا ان سياسة واشنطن قد تغيرت فخلال سنوات اوباما كان هناك ما يمكن تسميته استراتيجية اوباما و هى استراتيجية قامت على عدم الحسم فى الامور الخارجية بشكل قوى و عدم توريط امريكا فى اماكن المنازعات الساخنة و ترك القضايا المعقدة تحل نفسها بنفسها اضافة الى ترحيبه بتفتيت اكبر للدول العربية، و عدم الاهتمام باثار انهيار دول المنطقة نتيجة ثورات الربيع العربى، و عدم الحسم مع الكيانات الارهابيه مثل داعش و القاعدة بل العمل على تحجيما و ليس القضاء عليها.
باختصار انها سياسة انصاف الحلول و التى رأيي اوباما و خليفته فى الانتخابات هيلارى كلينتون انها سياسة مناسبة لخدمة بلده ، لكن ترامب نجح على غير المتوقع و فى السياسة غير المتوقع يحدث دائما، تقوم سياسة ترامب على الحسم فى الامور بشرط ان يدفع الجميع ماديا تكلفة ما تقدمه واشنطن له .
من هنا قامت السياسة الامريكية على توقيع عقود بمئات المليارات مع دول الخليج شرط ان تتم حمايتهم من ايران و دعمهم امام قوى الارهاب دعم جيد، و فى حالتنا هذه فالجميع مستعد ان يدفع فما قيمة المال اذا انهارت الدول و الممالك و تفتت، اذن تتناسب عقيدة ترامب مع امكانيات دول المنطقة و رغبة ترامب فى القضاء على الكيانات الارهابية خاصة اذا كان القضاء عليها مدفوع الثمن مقدما.
ثالثا: موقف بقية دول الخليج
لم يبقي فى دول الخليج غير الكويت و سلطنة عمان، و بالطبع فموقف سلطنة عمان معروف للجميع انه الحياد المسالم الذى لا يتدخل فى الخلافات، و هو نهج السلطان قابوس منذ توليه الحكم .
يبقى موقف الكويت، تلعب الكويت دور الوسيط دائما و تحب السلطة الحاكمة فيها ان تكون الطرف الذى يحل المشاكل و من هنا بادر امير الكويت للتدخل للوساطة صحيح يبدو ان محاولاته قد فشلت فى جولتها الاولى و ذلك نتيجة التصعيد القطرى و عدم الاهتمام بالعقوبات التى فرضت عليها مما نتج عنه ان ادرجت الدول المعاقبة لقطر اسماء 52 شخصية على قوائم الارهاب و 12 مؤسسة .
اذن يبدو ان الجولة الاولى من الوساطة قد فشلت و لكن ربما يحاول امير الكويت ان يخوض جولة اخرى، السؤال ماذا سيحدث اذا فشلت مساعي الكويت ؟ و الى اى صف سيكون الموقف، الكويتى هل ستنضم الى المقاطين ام الى صف الحياد مثل سلطنة عمان.
رابعا: العراق، سوريا، اليمن، ليبيا
ربما تكون الدول الأربعة من اكبر المستفيدين اذا نجحت جهود تحجيم النفوذ القطرى فقطر تنفق اموالها بسخاء لتدمير هذه الدول و نشر الفتن فيها ففى العراق يتم تمويل داعش و فى سوريا تمول قطر كل الاجنحة الارهابية لتفتيت الدولة السورية انها تنفق بسخاء لانهاك الجيش السورى و لدعم المجهود التركى فى ذلك و تركيا لا ينقصها المال لفعل ذلك و لكن اذا وجد التمويل من طرف اخر فذلك افضل بكثير من محاسبة البرلمان التركى و اجهزة الدولة فى تركيا لرجب طيب اردوغان و اما اليمن فوضعها عجيب .
قطر رسميا عضو فى التحالف العربي للشرعية و لكنها فى الوقت نفسه تدعم الحوثيين بوسائل كثيرة و الامر فى ليبيا مماثل قطر و بالشراكة مع المخابرات التركية تدعم جميع الفرق الارهابية و على رأسها الفرق الاخوانية لانهاك الجيش الليبى ليكون لها فى النهاية السيطرة فى ليبيا و بالتالى فتح جبهة على مصر من حدودها الغربية الطويلة و الممتدة و لولا جهود مصر الداعمة للمشير خليفة حفتر لسقطت ليبيا من زمن و لفتحت جبهة الحدود المصرية الليبية من فترة طويلة لتعانى مصر معاناة اضافية من الارهاب اضافة الى جبهة سيناء.
خامسا: تركيا و ايران
ربما من اهم المستفيدين من هذه الازمة هما تركيا و ايران بعد تصريحات ترامب و موقف الادارة الامريكية الجديدة منها سترحب بشكل كبير عند ارتماء الدوحة فى احضانها لمكسب مادى كبير بأن تصبح ايران هى الطريق الوحيد لقطر كى تلبى احتياجاتها الاقتصادية و ايضا ستعتير الدوحة مخلب قط فى يد ايران كى تستخدمه ضد دول الخليج لتواصل نشر نفوذها فى المنطقة خاصة حول المملكة العربية السعودية التى تحاصرها ايران من الجنوب فى اليمن بالحوثيين و فى الشمال عن طريق نفوذها فى كل من دمشق و بغداد و اذا اضفنا قطر ستصبح شوكة فى خاصرة السعودية.
اذن طهران و نظام الملالى هما المستفيد الاكبر مما يحدث … اما تركيا الإستفادة اقتصاديا و تجاريا و لكن تركيا ايضا ترتبط بروابط اقتصادية مع دول الخليج و خاصة السعودية و الامارات هنا يطرح السؤال نفسه الى اى جانب ستتمسك انقرة بدعمه الدوحة و حماية نظامها الحاكم فاردوغان بحكم توجهاته الدينية اخوانيا يدعم قطر الحامية للاخوان و لكنه فى النهاية رئيس دولة علمانية و برلمان يحاسب الرئيس و يخضع لحسابات المكسب و الخسارة لذلك عندما تصبح علاقته بقطر تزيد تكلفتها على مكاسبها فانه و بدون نقاش سيتخلى عنها بلا تراجع و موقفه من اسرائيل خير مثال فعندما اقتضت مصلحته التصالح مع اسرائيل بعد قطيعة كاملة معها قام بذلك مضحيا بشعارات الرئيس المؤمن و حامى حمى الاسلام.
من الواضح أن كل الإحتمالات مطروحة خاصة و ان الدوحة تعاند و اخبار عن وجود مجموعات من الحرس الثورى الايرانى لحماية قصر الامير و ايضا تصويت البرلمان التركى على تحريك بضعة الاف من الجنود لحماية النظام القطرى . مما يفتح الباب على مصراعيه لكل التكهنات فالدوحة تعاند و دول المقاطعة حتى الان تبدو شرسة و عازمة على تأديب الأمارة الصغيرة.
التعليقات