بقلم / ديمترى شنود
تعويم الجنيه المصري على الصادرات دراسة و تحليل بقلم / ديمترى شنود قام البنك المركزي يوم 3 نوفمبر 2016 بإصدار قرار تاريخي بتحرير سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية والمعروف بـ”تعويم العملة”، كخطوة هامة في الطريق للحصول على قرض صندوق النقد الدولي المقدر بنحو 12 مليار دولار، وقد ظهرت العديد من الآراء في هذا الأمر بين مؤيد ومعارض، حيث أشاد المؤيدون لهذا القرار بأنه “خطوة هامة لزيادة صادرات مصر للخارج”، حيث يعطيها سعرًا تنافسيًا أمام السلع الأخرى في الأسواق الدولية، بينما يرى المعارضون أنه لا يوجد تأثير لتغير سعر صرف الجنيه المصري على الصادرات، حيث هناك العديد من العوامل الأكثر تأثيرًا على الصادرات من سعر السلعة والمرتبطة بشكل أساسي بسعر صرف الجنيه المصري، ولعل ذلك الاختلاف كان السبب الرئيسي للبحث ولمعرفة طبيعة تأثير سعر صرف الجنيه المصري على الصادرات.
أولاً ـ حجم السلع والخدمات المصدرة للخارج مقارنة مع الصين:
يهتم التحليل بقياس مدى حساسية التغير في حجم الصادرات المصرية بالنسبة للتغير في سعر صرف الجنيه المصري عالميًا، خلال الفترة من 2000 حتى 2015 -حيث تكرر تغيير سعر صرف الجنية المصري عدة مرات- ومعرفة أثر ذلك على حركة الصادرات المصرية مقومة بالدولار الأمريكي، وتم حساب القيمة بالدولار لتجاوز معدل التضخم في تلك الفترات المختلفة.
من المتعارف عليه اقتصاديًا أن انخفاض سعر صرف عملة دولة ما يؤدي إلي زيادة صادراتها للخارج، بسبب إنخفاض قيمة السلعة بالنسبة للمستهلك الأجنبي. ويذهب العديد من الكتاب المهتمين بالشأن الاقتصادي المصري إلى أن هذا الأمر قد يختلف فيما يخص طبيعة الاقتصاد المصري، حيث يدَّعون أنه يمثل حالة خاصة في الاقتصاد الدولي، له مدخلات أقوى تأثيرًا من سعر الصرف نفسه، ولعل الشكل السابق والبيانات التي تم تحليلها تعطينا إجابة منطقية حول طبيعة تلك العلاقة.
ثانيًا ـ العلاقة بين سعر اليوان الصيني وتأثيره على الصادرات الصينية للخارج:
تمثل صادرات الصين 22.34% من الناتج المحلي الإجمالي للصين بما يقدر بـ 2.434 تريليون دولار في عام 2015 حسب بيانات البنك الدولي، أي بما نسبته 184 ضعف الصادرات المصرية للعالم، وبما أن الصين تعد ثاني أكبر شريك تجاري لدول العالم بعد الاتحاد الأوروبي، فإنها تمثل حالة متميزة لدراسة الحالات الشاذة في البيانات السابقة، ومعرفة هل تزامن مع تلك الحالات أية مستجدات في التجارة العالمية ظهرت أيضًا في حالة الصين، أم هناك أسباب أخرى تفرد بها الإقتصاد المصري.
ثالثًاـ تفسير طبيعة التغير فى حجم التصدير:
• في العام 2007،2009: حيث الأزمة المالية العالمية والتي شهدت اضطرابات شديدة في التبادل التجاري العالمي، وقد ظهرت إنعكاساتها بشدة فى العام 2010، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 23.97%، ولعل ظهور آثار الأزمة المالية العالمية قد بدأت في الظهور بوضوح في الاقتصاد المصري بعد الأزمة بما يقارب العامين نتيجة لأمرين:
• أن الإقتصاد المصري يتسم ببطء تأثرة بالإقتصاد الدولي.
• أن هناك عوامل أخرى تأثيرها أقوى من تأثير سعر الجنيه المصري على الصادرات، مثل: زيادة دعم الصادرات وغيرها من العوامل الأخرى المؤثرة على التصدير للخارج. وينطبق ما سبق على العامين 2011، 2013 حيث مرت مصر بظروف اضطرابات سياسية وإقتصادية لم تشهد لها مثيل فى العصر الحديث، ظهر تأثيرها فيما بعد.
لذلك انصح الدولة بهذة التوصيات:
نستنتج مما سبق أنه يمكن القول إن الصادرات المصرية تتوافق بشكل أو بآخر مع المسلمات الاقتصادية بخصوص تغير سعر صرف العملة، حيث يؤثر انخفاض سعر الجنيه المصري في الصادرات بالإيجاب في أغلب الأحيان ما لم تتدخل متغيرات أخر وتتسيد المشهد كما في الأعوام 2008، 2012، 2014 والتي مثلت منعطفات هامة في الاقتصاد المصري من أزمة مالية عالمية واضطرابات سياسية واقتصادية سبقت تلك الأعوام، ويلاحظ أيضًا أنه بالرغم من تطابق الاقتصاد المصري مع النظرية الاقتصادية، إلا أن الاقتصاد المصري يتسم ببطء وضعف التأثير فيه، حيث تظهر انعكاسات المتغيرات التي تؤثر فيه بعد عام من حدوثها أو عامين، كما لوحظ في المشاهدات السابقة.
إلا أنه بحساب العلاقة “رياضيًا” نجد أن انعدام تأثير إنخفاض سعر الجنية المصري على الصادرات هو الوضع السائد، ويشير ذلك إلى ضعف أداء الصادرات، وأن هناك مؤثرات أخرى وربما أكثر تأثيرًا على الصادرات بجانب سعر العملة أو السلعة المصرية المصدرة للخارج. وكحلقة وصل بين التفسير النظري والرياضي نجد أنه على الرغم من وجود تأثير إلا أنه يتسم بالضعف.
ذلك نتيجة عدة عوامل أولها: ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي في الدولة، لكن يمكن أن نتفق إجمالاً في حال توافر الظروف الآتية: (انخفاض سعر العملة + ارتفاع جودة المنتج المصري + استقرار اقتصادي وسياسي + بنية تحتية قوية + هيكل إنتاجي قوي + توافر سياسات وأدوات تسويقية مبتكرة + بالإضافة لبعض العوامل الأخرى = ارتفاع حجم الصادرات للخارج).
وتجدر الإشاره أيضًا إلى أن ارتفاع حجم الصادرات في ظل انخفاض سعر الجنيه لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة الصادرات، فإذا تنحى أحد العناصر السابقة عن المشهد قد يتحول انخفاض العملة إلى خسارة اقتصادية للدولة، بالإضافة إلى أنه يجب أن يقابل انخفاض سعر الجنيه المصري قوة إنتاجية ضخمة تفي بمتطلبات الأسواق الأخرى لتحقيق الربح والعائد المرجو وتعويض انخفاض سعر السلعة الناتج عن انخفاض سعر العملة المحلية، وأنه في حالة عدم السيطرة على سعر صرف الجنيه المصري في حالة تفوق الواردات على الصادرات في السوق المصري مع ضعف الهيكل الإنتاجي للدولة بشكل عام قد يؤدي إلى موجات تضخمية تقلل من جدوى معدل النمو، وبالتالي قد يحقق الاقتصاد المصري خسائر مضاعفة نتيجة لذلك.. ولذا لا بد من العمل على:
• إعادة هيكلة الجهاز الإنتاجي للدولة، بتوجيهه نحو تنمية صناعية وزراعية مستدامة، في إطار خطة قصيرة ومتوسطة المدى، لإقامة صناعات للتوجه نحو تنمية التصدير للخارج من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
• دعم التوجه لإقامة تجمعات صناعية وزراعية وتجارية تكاملية، سواء ضمن مشروع استصلاح المليون ونصف فدان أو حول مشروع تنمية محور قناة السويس.
• الاستفادة من تجربة الصين ودول جنوب شرق آسيا في إعادة هيكلة أجهزتها الإنتاجية وتحقيق طفرات هائلة خلال فترات بسيطة وممنهجة علميًا وعمليًا، مع ضعف اللجوء لهيئات التمويل الدولي لخفض تكلفة خدمة الديون واستخدام فوائض الإنتاج لديها في عملية التنمية.
التعليقات